سيد محمد طنطاوي
182
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا ، فأنزل اللَّه هذه الآيات تكذيبا لهم » « 1 » . والطعام : مصدر بمعنى المطعوم ، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل . وحلا : مصدر أيضا بمعنى حلالا ، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالا ، لا نفس الطعام ، لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات . وإسرائيل : هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام - . والمعنى : كل أنواع الأطعمة كانت حلالا لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة إلا شيئا واحدا كان محرما عليهم قبل نزولها وهو ما حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه ، فإنهم حرموه على أنفسهم اقتداء به ، فلما أنزل اللَّه التوراة حرم عليهم فيها بعض الطيبات بسبب بغيهم وظلمهم . هذا هو الحق الذي لا شك فيه ، فإن جادلوك يا محمد في هذه المسألة فقل لهم على سبيل التحدي : أحضروا التوراة فاقرؤها ليتبين الصادق منا من الكاذب ، إن كنتم صادقين في زعمكم أن ما حرمه اللَّه عليكم فيها كان محرما على نوح وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - . فالآية الكريمة قد تضمنت أمورا من أهمها : أولا : إبطال حجتهم فيما يتعلق بقضية النسخ ، إذ زعموا أن النسخ محال ، واتخذوا من كون النسخ مشروعا في الإسلام ذريعة للطعن في نبوة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فدحض القرآن مدعاهم وألزمهم الحجة عن طريق كتابهم . ولذا قال الإمام ابن كثير : الآية مشروع في الرد على اليهود ، وبيان بأن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع ، فإن اللَّه - تعالى - قد نص في كتابهم التوراة أن نوحا - عليه السّلام - لما خرج من السفينة أباح اللَّه له جميع دواب الأرض يأكل منها ، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه ، وجاءت التوراة بتحريم ذلك ، وبتحريم أشياء زيادة على ذلك - عقوبة لهم بسبب بغيهم وظلمهم . وهذا هو النسخ بعينه » « 2 » . وقد صرح ابن كثير وغيره من المفسرين أن ما حرمه إسرائيل على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها ، وبذلك جاءت بعض الروايات عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وكان تحريمه لها تعبدا وزهادة وقهرا للنفس طلبا لمرضاة اللَّه - تعالى - .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 3 - بتصرف يسير - . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 382 - بتصرف وتلخيص - .